محمد أبو زهرة
1902
زهرة التفاسير
صرح النبوة واحد » « 1 » ، الرسالة المحمدية آخر جزء لذلك الصرح الشامخ ، وبها تمامه وكماله . ومعنى النص السامي : يا أيها الذين أذعنوا للحق وطلبوه ، وصدقوا به اجعلوا إيمانكم مستقرا وثابتا بالله جل جلاله ، وبرسوله الذي جاء بشيرا ونذيرا وبالكتاب الذي نزله منجما مقسطا ، وهو القرآن ، وبالكتاب الذي أنزل من قبل . والمراد جنس الكتب السابقة ، لا واحد منها . ونرى أن النص الكريم فيه أجزاء الإيمان التي يلازم بعضها بعضا ، ولا ينفصل واحد منها عن باقيها ، فهي كل لا يقبل التجزئة ، ولا يمكن أن يتحقق معناه إلا باتصاله بعضه ببعض . وأول عناصر الإيمان هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى . وذلك باعتقاد أنه واحد أحد فرد صمد ، فوق كل شئ وليس فوقه شئ ، ليس كمثله شئ ، منفرد وحده بالألوهية ، فهو الواحد في ذاته وصفاته ، وهو الواحد في خلقه وتدبيره ، فهو خالق كل شئ ؛ وهو القادر على كل شئ ، وهو القاهر فوق عباده ، وهو الواحد في استحقاقه للعبادة ، فلا يعبد بحق سواه . هذه إشارات إلى معنى الإيمان بالله الرحمن الرحيم ذي الجلال والإكرام . وإن الإيمان بالله تعالى على ذلك النحو يقتضى الإيمان بأن رحمته توجب ألا يترك الناس هملا يضلون ، ولا يهتدون ، ولا يقومون بحق الطاعة ، بل لا بد من بشير ونذير ، ومن يكون رحمة للعالمين ، فلا بد من الرسل يرسلهم ، وكان حقا على الذين يدركون رسولا أن يؤمنوا به ، فكان حقا على الذين أدركوا محمدا أن
--> ( 1 ) في معناه ما رواه البخاري : المناقب - خاتم النبيين ( 3535 ) ، ومسلم : الفضائل - ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ( 2286 ) وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ، قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين » .